ابن أبي الحديد

104

شرح نهج البلاغة

على رأى الفلاسفة ويقول بحدوث الأجسام لا يثبت آدم ، ويقول : إن الله تعالى خلق الأفلاك وخلق فيها طباعا محركة لها بذاتها ، فلما تحركت - وحشوها أجسام لاستحالة الخلاء - كانت تلك الأجسام ، على طبيعة واحدة ، فاختلفت طبائعها بالحركة الفلكية ، فكان القريب من الفلك المتحرك أسخن وألطف ، والبعيد أبرد وأكثف . ثم اختلطت العناصر ، وتكونت منها المركبات ، ومنها تكون نوع البشر كما يتكون الدود في الفاكهة واللحم ، والبق في البطائح والمواضع العفنة ، ثم تكون بعض البشر من بعض بالتوالد ، وصار ذلك قانونا مستمرا ، ونسي التخليق الأول الذي كان بالتولد . ومن الممكن أن يكون بعض البشر في بعض الأراضي القاصية مخلوقا بالتوالد ، وإنما انقطع التوالد ، لان الطبيعة إذا وجدت للتكون طريقا استغنت به عن طريق ثان . وأما المجوس فلا يعرفون آدم ، ولا نوحا ، ولا ساما ، ولا حاما ، ولا يافث . وأول متكون عندهم من البشر البشرى ( 1 ) المسمى " كيومرث " ، ولقبه " كوشاه " أي ملك الجبل ، لان " كو " هو الجبل بالفهلوبة ، وكان هذا البشر في الجبال . ومنهم من يسميه " كلشاه " ، أي ملك الطين و " كل " اسم الطين ، لأنه لم يكن حين إذن بشر ليملكهم . وقيل تفسير " كيومرث " حي ناطق ميت ، قالوا : وكان قد رزق من الحسن ما لا يقع عليه بصر حيوان إلا وبهت وأغمي عليه ، ويزعمون أن مبدأ تكونه وحدوثه أن يزدان - وهو الصانع الأول عندهم - أفكر ( 2 ) في أمر أهرمن ، - وهو الشيطان عندهم - فكرة أوجبت أن عرق جبينه ، فمسح العرق ورمى به ، فصار منه كيومرث . ولهم خبط طويل في كيفية تكون " أهرمن " من فكرة " يزدان " أو من إعجابه بنفسه ، أو من توحشه ، وبينهم خلاف في قدم " أهرمن " ، وحدوثه لا يليق شرحه بهذا الموضع ( 3 ) .

--> ( 1 ) ب : " البشر " . ( 2 ) أفكر وفكر بالتشديد ، بمعنى . ( 3 ) انظر الشاهنامة 14 .